السيد كمال الحيدري
71
معرفة الله
والعياذ بالله وهذا هو الشرك بجميع مراتبه وصوره « 1 » . قال تعالى :
--> ( 1 ) بحسب مرتبتهم التي هم عليها ؛ إذ لا يعقل في حقّهم صدور الشرك في الخالقية والربوبية بمعنى إقرارهم بوجود خالق وربّ شريك للباري عزّ وجلّ ، فإنّ هذا غير ممكن في حقّهم بنكتة اجتبائهم ، ومن الواضح أنّ الله تعالى لا يجتبي إليه إلّا من علم منه عدم وقوع مطلق الذنب منه ، فضلًا عن الشرك العظيم . ولذا فالمقصود والله العالم هو صور الشرك التي يقع فيها الأعمّ الأغلب من الناس ، من قبيل الشرك في الأعمال والعبادة على مستوى قصد الجزاء والجنّة ودفع أذى النار ، فهذا نوع من الشرك أيضاً بحسب مراتبهم ، فهم المقرّبون الذين تكون حسنات الأبرار بالنسبة إلى مقامهم سيّئات ، فإنّه « كلّما دقّ المسلك ولطف المقام ظهرت هنالك خفايا من الذنوب كانت قبل تحقّق هذا الظرف مغفولًا عنها لا يحسّ بها الإنسان المكلّف بالتكليف » الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 6 ص 386 . وفي ضوء ذلك يمكن تفسير قول الرسول صلّى الله عليه وآله : « إنّه ليُغان أو ليُران على قلبي ، وإنّي لأستغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة » . من لا يَحضرهالفقيه ، مصدر سابق : ج 4 ص 385 . فالإنسان الكامل كلّه لله تعالى في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ، ولكنّه وبتبع مقتضيات الحياة الطبيعيّة يضطرّ لتناول المأكل والمشرب وأخذ حاجته ، وهذا النوع من الاشتغال وإن كان الإنسان الكامل المعصوم لا يأتي به إلّا على نحو الاستحباب أو الوجوب لا بما هو مباح ، ولكنّه بحسب مراتبه يعدّ ( هذا الاشتغال ) ذنباً وخدشاً وكُدورة في مرآته المصفّاة ، « فإنّ الشيء كلّما كان أرقى وأصفى كان كدورات المتكدّرات عليه أبين وأهدى » عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية ، لابن أبي جمهور الإحسائي ، تحقيق السيّد المرعشي والسيّد مجتبى العراقي ، نشر مطبعة سيّد الشهداء ، قم ، الطبعة الأولى ، 1403 ه : ج 1 ص 336 . وكأنّ تلك الأفعال المباحة عندنا والمستحبّة عندهم من طعام ونكاح تُعدّ من الذنوب بحسبهم لأنّهم يرون أنّها تخدش بنحو ما حضورهم الدائم بين يدي الله تعالى ، وفي ضوء ذلك يتّضح لنا المراد في جملة من الأدعية والأوراد الشريفة التي كان يؤدّيها المعصوم عليه السلام وفيها نوع من الإقرار بالذنب والمعصية والخطيئة . / / ولعلّ جميع ما ذكرناه هنا يمكن إيجازه بتطبيق عمليّ على دعاء مأثور عن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام حيث يقول : « وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاكّ ، ولا بنكالك جاهلٌ ، ولا لعقوبتك متعرّضٌ ، ولكن سوّلت لي نفسي ، وأعاننِي على ذلك سترك المرخى به عليَّ » . إلى أن يقول : « ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب ، أما آن لي أن أستحي من ربّي » . الصحيفة السجّادية الكاملة للإمام زين العابدين عليه السلام ، نشر جماعة المدرّسين ، قم : ص 177 . فتلك المعصية كان مصدرها تسويل النفس ليس إلّا ، وفي هذا التعبير كناية عن المأكل والمشرب والنكاح وغير ذلك من ضروريّات الحياة التي كان يؤدّيها الإمام عليه السلام في ستر الله المرخى عليه . ومن الواضح أنّ الإنسان كلّما امتدّ به العمر يكون قد أخذ قسطاً أكبر من تلك الحاجيات التي هي ذنوب بلحاظ الإنسان الكامل ، وبذلك تكون إطالة عمره الشريف كثرةً لخطاياه ، ناهيك عن أصل الوجود في عالم الملك والمادّة والطبيعة المقتضية لحصول النقص والقصور فهو ذنبٌ لا يُقاس به ذنب ؛ كما قيل : وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب . ( منازل السائرين لأبي إسماعيل الأنصاري ، شرح عبد الرزّاق الكاشاني ، انتشارات بيدار ، الطبعة الثانية ، قم : ص 302 ) . والخروج عن هذا الذنب يكمن في تمام الانقطاع إلى الله : « إلهي هَبْ لي تمام الانقطاع إليك » . ( مفاتيح الجنان : ص 218 ) . حيث الخروج من منزل الذات والذاتية فضلًا عن متعلّقاتهما ، ثمّ الخلوص إلى الله وحده فيغيب ذلك الوجود الذنبي الظلّي المجازي في الوجود الحقّ الحقيقي ، وله بعدئذ أن يترنّم وهو في نشوة السكر الشهودي : وجودي أن أغيب عن الوجودي بما يبدو عليَّ من الشهود انظر : المظاهر الرحمانية للسيّد الإمام الخميني رحمه الله ، نشر مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني ، الطبعة الأولى ، 1995 م : ص 41 .